Translate

الأربعاء، 17 يوليو 2013

حياة من رحم الموت



 رحل وشقَّ طريقه إلى السماء تاركاً خلفه روحاً في رحم زوجته الصغيرة ، وأفواهاً جائعة ، وجدراناً باردة ، وزواياً حزينة ، وصوراً مبعثرةً هنا وهناك ، وصدى ضحكات أصبحت مع الأيام وشياً يزين ثوبها الفلاحي المطرز، وعبراتٍ كان لا بد منها ملحاً لاستمرار الحياة ، وثياب عمله الممرغة بقطرات عرقه أثناء عمله في أرضه الصغيرة ، وسنابل قمحٍ كانت تنادي عليه ليحصدها بأنامله الحنونة ، وأشجار زيتونٍ بكت ثمارها زيتاً قبل موعدها ، وخرافاً كان يسرح بها في الجبال لن ترقص بعد اليوم على أنغام مزماره وأهازيجه الجميلة .
كانت زوجته حياة على قناعة تامة بأن مشواره أصبح أبدياً ولن يعود منه مرةً أخرى إليهم كما كان يفعل في كل مرةٍ يسافر فيها لتسويق ما تنتجه أرضهم من خيرات . فإما أن تمتلك الإرادة الكافية للاستمرار فتحيا وفي ظلها أولادها ، وإما أن تستسلم لليأس فتغرق وتغرق معها أكبادها .
لم تلتحف ثوب الحداد كغيرها من النساء بل خلعته وداست عليه بأقدامها وارتدت ثوب الكفاح ..
حياة الآن أصبحت محطَّ انظار الطامعين فيها، فهي صغيرة جميلة ، تمتلكُ أرضاً وماشيةً ، باختصار هي ثروة بالنسبة لهم .. هذا ما يبدو لهم في الظاهر لأنهم لا يعلمون أن ما تنتجه الأرض والماشية بالكاد يسد حاجتها هي وأولادها بعد تعبٍ وعناء .. فهي تضم بين جناحيها سبعة من الذكور وثلاثة من الإناث أكبرهم لا يتعدى الثانية عشرة وأصغرهم ما زال جنيناً في رحمها ، فقد زفت إليه صغيرة وعمرها لا يتجاوز ثلاثة عشر ربيعاً .
باءت كل محاولات النساء اللواتي طرقن باب بيتها لخطبتها لرجالٍ من القرية وخارجها بالفشل. لقد سمعت الكثير وتحملت ما هو أكثر فهذه تقول لها :"ما زلتِ صغيرة على تحمل أعباء الحياة لوحدك " . وأخرى تقول:"السترة أفضل شيءٍ للمرأة تزوجي وانستري مع رجلٍ يعينك في هذه الحياة" وتلك تقول:" انت لا تقدرين قيمة جمالك يا حياة "وجارتها تقول :"إنه رجلٌ غني تزوجيه حتى لو كنتِ الزوجة الرابعة".
وترد عليهم حياة :"أولادي هم ثروتي الحقيقية ،لن أبيعهم وأتخلى عنهم وسيحفظون لي هذا الجميل " .
كانت حياة كالطائر الحنون الذي يبحث عن القش لبناء عشٍ قوي يجمعه مع أبناؤه ،يقيهم برد الشتاء وحرَّ الصيف . وكالنحلة التي تقطع آلاف الكيلومترات في سبيل جمع رحيق سيصبحُ عسلاً لذيذاً بعد التعب .
عاشوا حياتهم كقرية نمل شعارهم التعاون ،كل له عمل محدد لا يبغى أحدهما على الآخر وإن بغى سيجد عقاباً بانتظاره .
استطاعت أن تملأ جدران منزلها دفئاً وتسكن الفرح زواياه وتبدل صدى العبرات بضحكات وابتسامات .
هي لم تنسى زوجها بل خلدت ذكراه وحفظت اسمه ، وربت أطفالاً صغاراً صاروا شباباً  .. وفي لحظات اشياقها له كانت تنزوي بعيداً عن ابنائها لتخرج دموعاً حارةً حبستها عنهم كي لا يروا ضعفها .. وكلما سألوها عنه كانت لا تصفه إلا بالخير حتى وإن أساء لها في حياته ...
أحبها أبناؤها ولم لا يحبوها ؟! فهي من غرست فيهم حب الحياة ، وتعهدتهم كما تتعهد النبتة الصغيرة بالرعاية حتى تكبر .. هي من جعلتهم يقدرون قيمة الأرض والانتماء للوطن.. هي من علمتهم معنى الكبرياء ورفض الذل والخنوع إلا لله .. وأن شقيقاتهم رحمهم الذي يجب ان يوصل ..
لا تستغربوا ذلك فالأم وطن والبعد عنها منفى ..
الأم حياة وفقدانها إعدام ...
الأم ابتسامة وفقدانها دمعة ..
الأم شجرة وجودها ظل وقطعها عناء ...
الأم مدرسة والتسرب منها جهل ...
الأم نعيم وحرمانها فقر ...
الأم رحمة والانشقاق عنها قسوة ...
الأم كبرياء والتخلي عنها ذل ...
الأم مأوى وفراقها تشرد وضياع ...
الأم طاعة وعقوقها معصية ..
نعم هذه هي حياة التي صنعت من الموت حياة .. وتحدت كل المعيقات في سبيل استمرارية الحياة .. وأمدت المجتمع بأبناءٍ صالحين بنائين وليسوا هدامين ...
ليت كل النساء حياة يا حياة . ..







ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق