Translate

الخميس، 18 يوليو 2013

مشهد اعتقال



كان صباحاً هادئاً بعد أسبوع كامل من المطر الغزير ...
وسماء زرقاء صافية خالية من الغيوم التي لم تفارقها طوال الأسبوع الماضي ..
لا صوت لبرق أو رعد .. لا تسمع سوى زقزقة عصافيرٍ جميلة اتخذت من أسلاك الكهرباء مكاناً لها ..ما أجمل منظرها وهي تتقافز من سلك لآخر !
ولا تشاهد سوى صبية استغلوا صباح يوم العطلة للعب الكرة بعد أسبوعٍ مدرسي شاق مليء بالدروس والواجبات ..
ما زال صباحاً جميلاً هادئاً إلى أن عكرته أصوات بالسماعات تقول:" إلى أهالي القرية ممنوع التجول، التجول ممنوع" .. هنا أدرك الناس أنَّ خطباً ما قد حدث ..
هرع كل من كان خارجاً إلى بيته وأغلق الأبواب بإحكام بانتظار مصيرٍ مجهول ..
يا لها من طبيعةٍ كانت تشعر بالخطر قبل وقوعه .. فالسماء طوال الأسبوع الماضي ظلت متوشحة بالسواد ولم تتوقف دموعها عن الانهمار سوى الليلة الماضية ... ثم هدأت .. لقد عرفت الآن سر هدوئها ، إنه هدوء ما قبل العاصفة ..
ذلك اليوم لم يستطع ذلك الشاب الوسيم (محمد) الذهاب لعمله فقد طوقت جيبات عسكرية القرية بالكامل فرجع لبيته حاملاً زوادته (رغيف من الخبر مشرب بزيت الزيتون وعلبة سنيورة وزجاجة كولا صغيرة) ..
كان بيته مكون من طابقين الطابق السفلي لجدته الوحيدة والعلوي لعائلته .. الجدة مريضة فنزل والداه للاطمئنان عليها ، بينما كان إخوته يترقبون الوضع باستراق النظر من نوافذ البيت .. ككل أهل القرية المترقبين ..
لحظات وسمعت زخات رصاص كانت كفيلة بأن تجبرهم على التزام بيوتهم بصمت دون حراك ..
زخات رصاص غجرية حالت دون صعود والدا محمد الدرج الفاصل بين منزلهم ومنزل جدتهم .. كانوا قد اطمئنوا عليها وأرادوا العودة للبيت بسرعة لحظة انطلاق الرصاصات فاضطر الوالدان للبقاء في بيت الجدة ..
كان القلق يعتريهم والخوف يسكن قلوبهم والأفكار السوداوية تسيطر على مخيلتهم ، فالوضع خطير والأولاد لوحدهم في البيت ... ففي مثل هذه الظروف يكون الكل بحاجة للآخر ..
حاصر جنود الاحتلال منزل محمد وطلبوا منهم إخلاء المنزل .. نزلت عليهم قنابل الصوت كزخات المطر الملوثة بالشوائب ..
احتمى الإخوة في زاوية من زوايا المنزل علها تعوضهم عن حضن أمهم الدافئ  وتحميهم من رشقات الرصاص التي بدأت باقتحام جدران منزلهم .. تمنوا في هذه اللحظات وجود والديهم معهم كسندٍ وحماية ودعم نفسي ..
كان والدا محمد لا يدركون ما يحصل لأولادهم فوق ..
تعالت  أصوات جنود الاحتلال في السماعات مرة أخرى:"أخلوا المنزل بسرعة وإلا سنقصفه"..
كان الكلام غير واضح ومسموع لهذا ظن الوالدان أن الكلام موجه لجميع منازل الشارع الذي يسكنونه ..
أما الأولاد فوقعوا في حيرة من أمرهم كيف سيخرجون من المنزل في ظل هذا الوضع المتأزم ؟
ودار نقاش حاد بينهم فمنهم من يقول:"أنا سأفتح الباب لكم وسنخرج واحداً تلو الآخر رافعين أيدينا ".
فرد عليه الآخر:"لا تخاطر يا أخي بنا ، لن نخرج"..
فلما زاد وقع قنابل الصوت ورشقات الرصاص عليهم وازداد تهديد الجنود لهم في السماعات عزموا على الخروج ..
فتح أحمد الباب وخرج رافعاً يديه ولحق به إخوته وأخواته كل رافع يديه خوفاً من تهور إحدى الجنود وإطلاق إحدى الرصاصات نحو أحدهم ..
حتى خروجهم من البيت لم يرحمهم ،ففي أثناء نزولهم الدرج أطلقت قنابل صوتية تجاههم ولحسن الحظ لم تصب أحداً منهم ...
عند نزولهم وجدوا أن والدهم قد فتح باب المنزل الخارجي دون علمه لما يجري مع أولاده فوق فقد قطعت الاتصالات بينهم تماماً خلال الساعة الماضية ...
خرج الكل إلى الشارع الذي كان مليئاً بجنود الاحتلال المقنعين المدججين بالسلاح ..
أتعلمون أنهم كانوا خائفين من هذه العائلة بالرغم من أن أفرادها كانوا عزل لا سلاح معهم سوى آيات من القرآن تردد ودعاء من الوالدة في الخفية بأن لا مكروه يصيب عائلتها ..
طلب منهم الجنود الركوع على الأرض ..
جثت العائلة على الأرض المليئة بترسبات طينية وأوساخٍ تجمعت بعد هدوء المطر ..
صرخ أحد الجنود مشيراً إلى محمد بالوقوف والذهاب إليه قائلاً له:" ارفع سترتك للأعلى" ..
وقام الجندي برفع ملابسه للأعلى وتفتيشه جيداً ثم عصب عينيه بقطعة قماشٍ سوداء وربط يديه للوراء بإحكام ثم ألقاه خلف سورٍ لمنزل الجيران برفقة جندي لحراسته ، فالبندقية كانت مصوبة تجاهه خوفاً من أنفاسٍ يخرجها..
كل هذا المشهد جرى أمام عائلته التي ما زالت تجثو على الأرض وما زالت بنادق الجنود مصوبة تجاههم ، ربما كان كل واحد منهم يعد اللحظات التي ستنطلق منها رصاصة تجعله شهيداً .. لكنها لم نتطلق ولم تأخذ روح أي واحد منهم بل أخذت كبدين ، أخذت الشابين الوحيدين للعائلة محمد وأحمد ، فبعد اعتقال محمد أعيد المشهد مرة أخرى مع أخيه أحمد ...
محمد وأحمد الآن ملقيان خلف السور بحراسة بنادق الجنود ،فأي نفس ممنوع وأي حركة ممنوعة .. وعائلته واقفة على سور آخر للجيران أمامهم ،فقد سمحوا لهم بالوقوف بعد جثو طويل فقادوهم إلى سور آخر تمهيداً لعدة كتائب من الجنود باقتحام المنزل وتفتيشه ..
ما أقسى هذا المشهد فقد أصبحت العائلة موزعة بين سورين .. سور محكوم عليه بالاعتقال وسور محكوم عليه بتذوق لوعة الفراق .. سور سيذهب وسور سيبقى ..
كانت العائلة تنظر إلى محمد وأحمد وهما مرميان خلف السور، تمعنت الأم بهما جيداً واحترق قلبها لأنها لا تستطيع فعل شيء ، شعرت بأن روحها قد فارقتها وأن قلبها قد نزع منها ذاهباً باتجاههم ، تتمنى لو أنهم يسمحون لها بالذهاب معهم ..  أحست ببرد شديد يسيطر على أطرافها فالجو شديد البرودة والاحتلال ألقى بسترتيهما على الأرض .. تمنت لو أنها تستطيع الاقتراب صوبهم وإلباسهما سترتيهما .. تمنت لو أن باستطاعتها أن تزيل العصبتين السوداوين عن عينيهما لتتلاقى عيونهم للمرة الأخيرة وتزود نفسها بالزاد قبل الرحيل ..
تمنت لو باستطاعتها فك قيديهما لتلمس يداها يديهما علها تلقي الدفء الذي سيرافقهما طويلاً خلال طريقهما فيزيل عنهما برودة الطقس ..
تمنت لو أن هذا المشهد كان كابوساً رأته في منامها وأنها ستصحو على صوتهما يملآن البيت ضجيجاً ..
تمنت وتمنت وتمنت وما زالت تتمنى ...
أما هما فكانا يتمنيان رؤية عائلتهما للمرة الأخيرة قبل الفراق المحتوم ..
تمنيا لو باستطاعتهما تقبيل يد أمهما التي صنعت لهما خبز الصباح مراراً وتكراراً ..و تقبيل يد والديهما المجبولة بكفاح الحياة .. وتوديع شقيقاتهم الرؤوفات ذوات القلب الحنون ..
كانت أصوات التكسير والتخريب المنبعثة من منزلهم مسموعة لديهم فخطوات تفصلهم عنه .. فزجاج يكسر وأثاث يهوي وخزائن تفرغ من الثياب وزيت يخلط مع الطحين ووثاق تمزق وعلم فلسطين يداس أرضاً ... كل هذا لأجل ماذا؟ للاشتباه بهم فقط .. وبماذا هم مشبوهون؟ بحب الوطن .. يا لها من شبهةٍ مدعاة للفخر ..
انسحبت الكتائب من منزلهم ومع خروج آخر جنديٍ منه سمح لهم الضابط المسؤول عن تنفيذ العملية بالرجوع للبيت دون محمد وأحمد فهما رهنا الاعتقال ..
ما أصعب هذا المشهد ، إنه مشهد الفراق ... يلقى بهما داخل إحدى الجيبات العسكرية دون إبصار ما أمامهما وتعود العائلة للبيت ممزقة من هول هذا المشهد..
البيت مقلوب رأساً على عقب ، كل شيء حرك من مكانه ، كل شيء مخرب سوى صورة معلقة على إحدى الجدران لمحمد وأحمد منذ أيام الطفولة ، يرتديان ثياباً موحدة الألوان ويضع كل منهما يده على كتف الآخر كانهما يقولان لبعضهما :"أنت سندي في هذه الحياة" ..
كل من كان يرى هذه الصورة كان يظنهما توأمين لملامحمها شديدة التقارب من بعضهما ..
أمسكت الأم بالصورة ونزلت دمعة مريرة من عينيها الحزينتين قائلة :"في المال ولا في العيال " .. "لو هدموا البيت وما أخذوا أحمد ومحمد " ..

وأنا أقول لكم :"أتذكرون زوادة محمد التي كانت من المفترض ان تكون فطوراُ له في عمله ذلك اليوم البغيض ما زالت بانتظاره لحد الآن "..

الأربعاء، 17 يوليو 2013

حياة من رحم الموت



 رحل وشقَّ طريقه إلى السماء تاركاً خلفه روحاً في رحم زوجته الصغيرة ، وأفواهاً جائعة ، وجدراناً باردة ، وزواياً حزينة ، وصوراً مبعثرةً هنا وهناك ، وصدى ضحكات أصبحت مع الأيام وشياً يزين ثوبها الفلاحي المطرز، وعبراتٍ كان لا بد منها ملحاً لاستمرار الحياة ، وثياب عمله الممرغة بقطرات عرقه أثناء عمله في أرضه الصغيرة ، وسنابل قمحٍ كانت تنادي عليه ليحصدها بأنامله الحنونة ، وأشجار زيتونٍ بكت ثمارها زيتاً قبل موعدها ، وخرافاً كان يسرح بها في الجبال لن ترقص بعد اليوم على أنغام مزماره وأهازيجه الجميلة .
كانت زوجته حياة على قناعة تامة بأن مشواره أصبح أبدياً ولن يعود منه مرةً أخرى إليهم كما كان يفعل في كل مرةٍ يسافر فيها لتسويق ما تنتجه أرضهم من خيرات . فإما أن تمتلك الإرادة الكافية للاستمرار فتحيا وفي ظلها أولادها ، وإما أن تستسلم لليأس فتغرق وتغرق معها أكبادها .
لم تلتحف ثوب الحداد كغيرها من النساء بل خلعته وداست عليه بأقدامها وارتدت ثوب الكفاح ..
حياة الآن أصبحت محطَّ انظار الطامعين فيها، فهي صغيرة جميلة ، تمتلكُ أرضاً وماشيةً ، باختصار هي ثروة بالنسبة لهم .. هذا ما يبدو لهم في الظاهر لأنهم لا يعلمون أن ما تنتجه الأرض والماشية بالكاد يسد حاجتها هي وأولادها بعد تعبٍ وعناء .. فهي تضم بين جناحيها سبعة من الذكور وثلاثة من الإناث أكبرهم لا يتعدى الثانية عشرة وأصغرهم ما زال جنيناً في رحمها ، فقد زفت إليه صغيرة وعمرها لا يتجاوز ثلاثة عشر ربيعاً .
باءت كل محاولات النساء اللواتي طرقن باب بيتها لخطبتها لرجالٍ من القرية وخارجها بالفشل. لقد سمعت الكثير وتحملت ما هو أكثر فهذه تقول لها :"ما زلتِ صغيرة على تحمل أعباء الحياة لوحدك " . وأخرى تقول:"السترة أفضل شيءٍ للمرأة تزوجي وانستري مع رجلٍ يعينك في هذه الحياة" وتلك تقول:" انت لا تقدرين قيمة جمالك يا حياة "وجارتها تقول :"إنه رجلٌ غني تزوجيه حتى لو كنتِ الزوجة الرابعة".
وترد عليهم حياة :"أولادي هم ثروتي الحقيقية ،لن أبيعهم وأتخلى عنهم وسيحفظون لي هذا الجميل " .
كانت حياة كالطائر الحنون الذي يبحث عن القش لبناء عشٍ قوي يجمعه مع أبناؤه ،يقيهم برد الشتاء وحرَّ الصيف . وكالنحلة التي تقطع آلاف الكيلومترات في سبيل جمع رحيق سيصبحُ عسلاً لذيذاً بعد التعب .
عاشوا حياتهم كقرية نمل شعارهم التعاون ،كل له عمل محدد لا يبغى أحدهما على الآخر وإن بغى سيجد عقاباً بانتظاره .
استطاعت أن تملأ جدران منزلها دفئاً وتسكن الفرح زواياه وتبدل صدى العبرات بضحكات وابتسامات .
هي لم تنسى زوجها بل خلدت ذكراه وحفظت اسمه ، وربت أطفالاً صغاراً صاروا شباباً  .. وفي لحظات اشياقها له كانت تنزوي بعيداً عن ابنائها لتخرج دموعاً حارةً حبستها عنهم كي لا يروا ضعفها .. وكلما سألوها عنه كانت لا تصفه إلا بالخير حتى وإن أساء لها في حياته ...
أحبها أبناؤها ولم لا يحبوها ؟! فهي من غرست فيهم حب الحياة ، وتعهدتهم كما تتعهد النبتة الصغيرة بالرعاية حتى تكبر .. هي من جعلتهم يقدرون قيمة الأرض والانتماء للوطن.. هي من علمتهم معنى الكبرياء ورفض الذل والخنوع إلا لله .. وأن شقيقاتهم رحمهم الذي يجب ان يوصل ..
لا تستغربوا ذلك فالأم وطن والبعد عنها منفى ..
الأم حياة وفقدانها إعدام ...
الأم ابتسامة وفقدانها دمعة ..
الأم شجرة وجودها ظل وقطعها عناء ...
الأم مدرسة والتسرب منها جهل ...
الأم نعيم وحرمانها فقر ...
الأم رحمة والانشقاق عنها قسوة ...
الأم كبرياء والتخلي عنها ذل ...
الأم مأوى وفراقها تشرد وضياع ...
الأم طاعة وعقوقها معصية ..
نعم هذه هي حياة التي صنعت من الموت حياة .. وتحدت كل المعيقات في سبيل استمرارية الحياة .. وأمدت المجتمع بأبناءٍ صالحين بنائين وليسوا هدامين ...
ليت كل النساء حياة يا حياة . ..